فصل: باب: إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى أَنْ يُقيمَ حائِطًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ جاز

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ بَيعِ المُدَبَّر

قد مرّ منا التنبيه على أن المصنِّفَ ترجم على جواز بيع المُدَبَّرِ أيضًا، مع الإِشارة إلى أن بيعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم كان من قَبِيلِ التعزير، وهذا يُوجِبُ أن لا يكونَ بيعُه جائزًا عنده، فتهافتت تراجمه‏.‏ ويُمْكِنُ أن يُقَالَ‏:‏ إن الأَصلَ عنده جوازُ البيع، وإنما التعزيرُ ببيعه بنفسه فقط، يعني بدون استفسارٍ منه‏.‏ وقد مرَّ عن الدارقطنيِّ ما يَدُلُّ على أن البيعَ يمكن أن يكونَ محمولا على الإِجارة أيضًا‏.‏

باب‏:‏ هَل يُسَافِرُ بِالجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَها

والسفرُ بها جائزٌ عندنا‏.‏ أمَّا الاستمتاعُ بالوَطْءِ، أو دَوَاعِيهِ، فلا يجوز، كما ذَهَبَ إليه ابن عمر، وهو مذهبُ العلماء كافةً، إلا أنه لا اسْتِبْرَاءَ عنده في العَذْرَاءِ، وفيها عندنا ذلك‏.‏ قال الشافعيةُ في أصول الفِقْهِ‏:‏ إن الحكمَ الشرعيَّ لا ينبغي أن يَخْلُوَ عن الحكمة‏.‏ ومرادُهم به عدم خلو ذلك النوع، لا أن تتحقَّقَ تلك الحكمة في جميع الجزئيات من ذلك النوع أيضًا‏.‏ ثم جاء شارحُ «الوقاية» وأوضحه، وزاد من عنده قيدًا آخر، وقال‏:‏ إن المرادَ من النوعِ النوعُ المنضبطُ، وهو الذي تُعْرَفُ جزئياته من وصفه العنواني، ولا يبقى فيها شبهةٌ‏.‏

وإذن الأصلُ أن لا يَخْلُوَ النوعُ المنضبطُ عن الحكمة، أمَّا النوعُ المنتشرُ، فيمكن أن يَخْلُوَ عنها‏.‏ والعذراء ههنا نوعٌ منضبطٌ يُعْرَفُ بهذا الوصف ما صدقاته بدون ارتيابٍ وشبهةٍ، مع خلوه عن الحكمة‏.‏ فإنها لا تحتاجُ إلى استبراءٍ أصلا، لأنه لا احتمالَ فيها بشغل الرَّحْمِ، والاستبراءُ يكون له فقط‏.‏ فحكمُ الاستبراء في العَذْرَاءِ حكمٌ خالٍ عن الحكمة‏.‏ وكذا أوردوا علينا مسألَةَ نكاح المشرقية بالمغربي، حيث يَثْبُتُ النَّسَبُ عندنا مع عدم إمكان الوطء فيها، وقد فَرَغْنَا عن جوابها‏.‏ أما مسألة الاستبراء، فقد أجاب عنها الشيخ ابن الهمام‏:‏ بأنه لا يُشترط تحقق تلك الحكمة حقيقةً، بل يكفي تحقُّقها تقديرًا أيضًا‏.‏ كما قالوا فِيَمَنْ أَسْلَمَ في آخر ساعة الظهر، أو طَهُرَتْ فيها الحائضة‏:‏ إن الصلاةَ تَجِبُ عليها، مع عدم التمكُّن على الأداء‏.‏ فإن القدرةَ وإن انْتَفَتْ ههنا حقيقةً، لكنها متحققةٌ باعتبار التوهُّم، فعُلِمَ أن تحقُّقَها باعتبار التوهُّم أيضًا كافٍ‏.‏

قلتُ‏:‏ وهذا الجواب ليس بمرضيَ عندي، وما أشبهه بأجوبة المعقوليين، فالجواب عندي‏:‏ بأن الحملَ يُمْكِنُ في العَذْرَاء حقيقةً، كما في «قضيخان»، ولعلَّه في باب الحظر والإِباحة‏:‏ أن رجلا لو كان يُبَاشِرُ زوجتَه البِكْرَ، فدخل الماءُ في رحمها عَلِقَت، فالعُذْرَة تُزِيلُها القابلةُ بيدها‏.‏ ولو كانت المسألة في ذهن الشيخ لَمَا احتاج إلى هذا التأويل البعيد الذي صار مطْعَنًا للقوم‏.‏ وأمَّا مسألةُ وجوب الصلاة، فليس مبناها على تَوَهُّم القدرة، بل سببُ الوجوب عندهم هو جزءٌ من الوقت، وقد وُجِدَ، وليس تمامَ الوقت‏.‏

2235- قوله‏:‏ ‏(‏ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وقد كانت صَفِيَّةُ رَأَتْ قبله رُؤْيَا‏:‏ أن القمر في حِجْرِهَا، فقصَّتْها على زوجها، فَنَهَرَهَا، وقال‏:‏ أَتُرِيدُ أن تَنْكَحَ هذا الصَّابيء‏.‏ ثم إن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لمَّا دخل المدنيةَ جاء والدها وعمها لِيَرَوْهُ، فقصَّا عليَّ قصصهما مَحْزُونَيْن مَهْمُومَيْنِ، قالت صَفِيَّةُ‏:‏ قال والدي‏:‏ أهوهو‏؟‏ قال عمِّي‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فماذ نفعل‏؟‏ قال‏:‏ نُخَالِفُهُ، ولا نُؤْمِنُ به‏.‏ قال أبي‏:‏ وذاك إرادتي‏.‏ فصَفِيَّةُ كانت سَمِعَتْ تلك القصة‏.‏ وهي صغيرةٌ‏.‏ وعندي مذكرةٌ علَّقتها في أنَّ أَنْكِحَةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم كلَّها كانت من أسبابٍ سَمَاوِيَّةٍ، وقد عَلِمْتُ شيئًا منه في صَفِيَّةَ رضي الله تعالى عنها‏.‏

باب‏:‏ بَيعِ المَيتَةِ وَالأَصْنَام

باب‏:‏ ثَمَنِ الكَلب

2237- قوله‏:‏ ‏(‏ومَهْرِ البَغِيَّ‏)‏، وترجمة المهر ههنا ‏(‏خرجى‏)‏‏.‏ واعلم أنه وَقَعَ في «حاشية جَلَبي على شرح الوقاية»‏:‏ أن أجرةَ الزانيةِ حلالٌ عند أبي حنيفة، وهو شنيعٌ جدًا، ومُخَالِفٌ للنصِّ أيضًا‏.‏ فأَجاب عنه مولانا الكَنْكُوهِي‏:‏ بأن ما كَتَبَه جَلَبي مسألةٌ من باب الإِجارة الفاسدة، كما يُعْلَمُ من صنيع أصحابنا، فإنهم لم يَذْكُرُوها إلا في هذا الباب، فدلَّ على ما قَصَدُوه، فلا يكون المعقودُ عليه هو الزنا‏.‏ وصورةُ المسألة‏:‏ إن استأجر امرأةً لِتَخْبِزَ مثلا، واشْتَرَطَ أن يَطَأَهَا أيضًا، فهذا الشرطُ فاسدٌ‏.‏ والمسألةُ في الإِجارة الفاسدةِ عندنا‏:‏ أن الأَجرَ فيها طيبٌ، لكونها مشروعةً بأصلها، وغير مشروعةٍ بوصفها، فلا تكون باطلةً من كل وجهٍ‏.‏ فالأجرةُ ههنا على الخبز، ولا خَبْثَ فيه، وإنما الخبثُ، لمعنى خارجٍ، وليست الأجرةُ بدلا عنه، فتبقى طيبةً لا مَحَالَةَ‏.‏

أقول‏:‏ لكن يَرِدُ عليه أن المسألةَ عندنا أعمُّ من الإِجارة الفاسدة، كما في «الشامي»، نقلا عن «المحيط»‏:‏ أن ما أخذته الزانيةُ، إن كان بعقد الإِجارة فحلالٌ، وإلا فحرامٌ اتفاقًا‏.‏ فهذا يَدُلُّ على كون الزنا نفسه معقودًا عليه، مع التصريح بكون أجرتُه حلالا، فدَلَّ على أن المسألةَ لا تَقْتَصِرُ على الوجه المذكور‏.‏

ثم العجبُ أن أصحابَنا نَقَلُوا الإِجماعَ على حُرْمَةِ أجرة الزنا أيضًا، كما في «البحر»‏.‏ وهكذا نقله النوويُّ‏.‏ وقد مرَّ الحافظُ ابن تَيْمِيَة على تقرير تلك المسألة في كتابه «الصراط المستقيم»‏.‏ ويُسْتَفَادُ منه أيضًا‏:‏ أن المسألةَ عندنا أعمُّ من الإِجارةِ الفاسدةِ، وغيرها، وحينئذٍ يَعُودُ المحذورُ‏.‏ ولم يتعرَّضْ ابن تَيْمِيَة إلى هذه المسألة، بل قال‏:‏ إن الإِجارةَ على عملٍ خاصٍ، تَقَعُ على مطلق العمل‏.‏ فمن اسْتَأْجَرَ رجلا لِيَحْمِلَ إليه الخمرَ، فهو جائزٌ، لأن الإِجارةَ، وإن كانت على خصوص حمل الخمر، لكنها تَقَعُ على مطلق العمل، فيجوز له أن يَأْمُرِهُ بحمل الماء مكان الخمر‏.‏ فَخَرَجَ من تعليله هذا‏:‏ أن المسألةَ عندنا لا تَقْتَصِرُ على الوضع الذي ذُكِرَ، وإن كان الفقهاءُ ذكروها في باب الإِجارة الفاسدة‏.‏

فالجوابُ عندي‏:‏ أن أصلَ تلك المسألة في «المحيط» للبرهاني، ويُعْلَمُ منه‏:‏ أن المسألةَ مفروضةٌ بين المولى وجاريته خاصةً، فإن آَجَرَهَا المولى للزنا، وجعل له أُجْرَةً طابت له الأُجْرَةُ، لكون المعقودُ عليه فيها تسليمَ النفس دون الزنا خاصةً‏.‏ فإن زَنَتْ من غير أن يُؤْجِرَهَا المولى لا تَطِيبُ له الأجْرَةُ، لأنها لا تَمْلِكُ منافعَ بُضْعِهَا، فلا تَمْلِكُ إجارتها أيضًا‏.‏ نعم يَجِبُ له العُقْرُ، ويَسْقُطُ الحدُّ‏.‏ فإن وجوبَ المهر، أو العُقْرِ يَمْنَعُ وجوب الحدِّ عندنا‏.‏

وقد ذَكَرَ الحنفيةُ‏:‏ أن الأجيرَ على قسمين‏:‏ أجيرٌ مطلقٌ، وذلك يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ بتسليم النفس، ولو لم يَعْمَلْ شيئًا‏.‏ والثاني‏:‏ أجيرٌ مُشْتَرَكٌ، ويكون المعقودُ عليه فيها عملا خاصًا، فلا يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ إلا بعد عمله، كالقَصَّار، والخيَّاط، والصبَّاغ‏.‏ فإن جَعَلَ تسليمَ النفس، والعملَ كليهما معقودًا عليه، فَسَدَتِ الإِجارة، كما في «ما لا بد منه»- رسالة بالفارسية- للشيخ العارف بالله ثناء الله الفاني فتى، من أَجِلَّة علماء الهند‏.‏ وهناك قسمٌ ثالثٌ أيضًا، وفيه بحثٌ، وراجع له «الدرر والغرر»‏.‏

وبالجملة كانت المسألةُ مختصةً بالمولى وجاريته، فأَجْرَاها الشاميُّ بين الحرائر أيضًا، مع أنه لا تعلُّق لها بالحرائر‏.‏ ثم ذاك أيضًا بحسب زمانهم، فإنهم كانوا في زمانٍ لم تَكُنْ الإِجارة على الزنا شَاعَتْ فيه‏.‏ وإنما كان الفُسَّاقُ يَحْتَالُون له، فيستأجرون الجواري على طريق الأجير المطلق، ثم كانوا يَزْنُونَ بهنَّ أيضًا، فساغ للفقهاء أن يَحْمِلُوها على تسليم النفس، تصحيحًا للعقد مهما أمكن، وحملا لحال المسلم على الأَصْلَح‏.‏ وإن كان عَقَدَ على الزنا وسمَّاه، فإنه من مسخ فطرته، وسوء بِطَانَتِهِ، فلا يُلْتَفَتُ إليه، ولا يُصْغَى لقوله، كما مرَّ عن ابن تيمية‏:‏ أن الإِجارةَ على حمل الخمر تَنْصِرفُ إلى مطلق الحمل‏.‏

أمَّا إذا شاعت الإِجارةُ، والاستئجارُ في الزنا، كما في زماننا، تعذَّرَ التأويلُ المذكورُ، وتعيَّن كون الزنا هو المعقودُ عليه، فَتَحْرُمُ الأجرة مطلقًا‏.‏ أمَّا في الحرائر فظاهرٌ، وأمَّا في جاريته فلانقلاب الحال‏.‏

ومن ههنا ظَهَر سرُّ الفرق بين أجرة النائحة والمغنية، حيث جَزَمَ فقهاؤنا بحُرْمَةِ أجرة المغنية والنائحة، كما في «الكنز» مع جريان هذا التأويل فيهما أيضًا‏.‏ وذلك لأنهم لمَّا نَظَرُوا في زمانهم، وجدوا الإِجارةَ قد فَشَتْ في باب الغناء والنَّوْح، فجعلوهما معقودًا عليه، ولم يَحْمِلُوها على تسليم النفس‏.‏ بخلاف الزنا، فإنهم لم يَجِدُوا الإِجارةَ فيه شائعة، كما في زماننا‏.‏ فإن الناسَ لقلَّة الدين والدِّيَانة، وضعف الإِيمان والأمانة، يستأجرون ولا يُبَالُون، يَزْنُونَ ولا يَسْتَحْيُون، فكيف يكون اليوم لهم التأويلُ‏.‏ وإلا فلا أعرف فرقًا بين النوعين، حيث حَرُمَتْ الأجرة في الغناء، وطابت في الزنا، مع كون الزنا أشنعَ وأفحشَ، ويَلْحَقُ به ما عند البخاريِّ في كتاب الإِكراه، باب إذا اسْتُكْرِهَتْ المرأة على الزنا، فلا حدَّ عليها، وعن الزهريِّ‏:‏ «أنه لو زنى أحدٌ من أَمَةٍ بِكْرٍ يَجِبُ عليه الحدُّ، وضَمِنَ النقصان»‏.‏

وفي «الهامش»، وهو قول مالك، وإسحاق، وأبي ثَوْر‏:‏ فكما أن إيجابَ الضمان في الصورة المذكورة لا يُعَدُّ أجرةً لزناه، بل يُعَدُّ ضمانًا للنقصان، كذلك الأجرة فيما نحن فيه، لا تكون أجرةً للزنا، بل أجرةً للحبس، وتسليم النفس‏.‏ ثم إن عبارة «المحيط» تقتضي أن تلك المسألة لعلَّها حَدَثَتْ من لفظ المهر، فإنه يقتضي تَمَادِي تلك المعاملة، وطول فيها، وذاك إذا كانت بطريق الاستئجار‏.‏ بخلاف لفظ الأجرة، فإنه لا يقتضي ذلك، ويأتي في الزنا مرةً أيضًا‏.‏ فلمَّا نَظَرُوا لفظَ المهر، وضعوا المسألةَ في الإِجارة لذلك‏.‏ ولذا عَدَلْتُ عن ترجمته، إلى الترجمة ب- ‏(‏خرجى‏)‏، فإنه يُسْتَعْمَلُ في معنى الأُجْرَةِ‏.‏

ومحصِّلُ الكلام، وجملةُ المرام‏:‏ أن أجرةً الزنا حرامٌ عندنا أيضًا، أمَّا في الحرائر فمطلقًا، وأمَّا في الإِماء فكذلك، إلا ما وقع بين المولى وجاريته، ثم ذلك أيضًا في الزمن القديم‏.‏ أمَّا اليوم، فلا تَحِلُّ مطلقًا، لا في الحرائر، ولا في الإِماء، لا في حقِّ مَوَالِيهنَّ، ولا في حقِّ غيرهم‏.‏ وكان الواجبُ على أصحابنا أن يَنْظُرُوا في عبارة «المحيط»، ولا يَهْدِرُوا القيودَ المذكورةَ فيها، لئلا يَرِدَ علينا ما أورده الخصوم‏.‏ ولكن الله يَفْعَلُ ما يشاء؛ ويَحْكُمُ ما يريد، والله تعالى أعلم، وعلمُه أحكم‏.‏

فائدةٌ‏:‏ واعلم أن «المحيط» اثنان‏:‏ الأول للبرهاني، لجدّ شارح «الوقاية» وقد ذَكَرَ مولانا عبد الحيِّ أنه في أربعين مجلدًا، وقد رأيته في خمس مجلدات‏.‏ والثاني للشيخ رضي الدين السَّرَخْسِيِّ، فاعلمه‏.‏

كتاب‏:‏ السَّلَم

باب‏:‏ السَّلَمِ في كَيلٍ مَعْلُوم

باب‏:‏ السَّلَمِ في وَزْنٍ مَعْلُوم

واعلم أنه ليس في فِقْهِ الحنفية بيعٌ يكون المبيع فيه معدومًا غير السَّلَم، ولذا شَرَطُوا فيه‏:‏ بيان القدر والجنس، ورأس المال، ومكان التسليم، وغيرها ليكونَ بعد التعيين كالموجود، ويَقْرُبَ إلى الانضباط، لئلا تجري فيه التنازعات، وقد نَظَمَهُ الجاميُّ في بيتٍ‏:‏

قدر وجنس است وصف ونوع وأجل *** جاي تسليم است رأس مال سلم

ثم إن المُسْلَمَ فيه عندنا يكون من أربعة أنواع‏:‏ المَكِيلات، والمَوْزُونَات، والمَذْرُوعَات، والمَعْدُودَات المتقاربة‏.‏ والمتأخِّرون أَلْحَقُوا به الاسْتِصْنَاعَ أيضًا، وينبغي أن لا يكونَ صحيحًا على الأصل‏.‏ واختلط باب الرِّبا من باب السَّلَم على مِيْرزَاجَان- المُحَشِّي للهداية ، فكَتَبَ‏:‏ أن الرِّبا يجري في الأشياء الأربعة، مع أن الرِّبا لا يجري إلا في المكيلاتِ، والمَوْزُونَاتِ، فاحفظه‏.‏

باب‏:‏ السَّلَم إِلَى مَنْ لَيسَ عِنْدَهُ أَصْل

واعلم أنه لا يُشْتَرَطُ أن يكونَ المُسْلَمُ فيه موجودًا في بيت المُسْلَم إليه، وإنما يُشْتَرَطُ أن يَقْدِرَ على تسليمه، ولو بعد الشراء من السوق‏.‏ فالشرطُ كونه موجودًا في الجملة، لا كونه عنده‏.‏

2244، 2245- قوله‏:‏ ‏(‏ولم نَسْأَلْهُمْ، أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لا‏)‏، يعني به‏:‏ أنهم لم يَكُونُوا يَسْأَلُون المُسْلَمَ إليه بأن المُسْلَمَ فيه في بيته أم لا، وإنما كان الواجبُ عليه أن يُهَيِّئَهُ على المُدَّة‏.‏

2246- قوله‏:‏ ‏(‏السَّلَمِ في النَّخْلِ‏)‏، أي في ثَمَرِهِ‏.‏

2246- قوله‏:‏ ‏(‏حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ‏)‏، والمراد به بُدُوُّ الصلاح، وله تفسيران، وقد مرَّ مني‏:‏ أنهما قريبان من السواء‏.‏

2246- قوله‏:‏ ‏(‏فَقَالَ الرَّجُلُ‏:‏ وأَيُّ شَيْءٍ يُوزَنَ‏؟‏ قال رَجُلٌ إلى جَنِبِهِ‏:‏ حَتَّى يُحْرَزَ‏)‏، ولمَّا لم يَفْهَمْ الرجلُ الوزنَ في الثمار، لكون المعهودُ فيها الكيلَ دون الوزن، مع عدم إمكان الكيل أيضًا على الشجر، فسَّرَه بأن المرادَ بالوزن هو الإِحْرَازُ‏.‏

باب‏:‏ السَّلَمِ في النَّخْل

أي في ثمره‏.‏

2247، 2248- قوله‏:‏ ‏(‏نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ‏)‏، فإن قلتَ‏:‏ إن السؤالَ كان عن السَّلَم، فكيف الجواب بمطلق البيع‏؟‏ قلتُ‏:‏ وفي فقهنا مسألةٌ أخرى، يَظْهَرُ منها التَّنَاسُبُ بين السؤال والجواب، وهي‏:‏ أن المُسْلَمَ فيه، وإن لم يَجِبْ كونها في مِلْكِ المُسْلَم إليه، لكن يُشْتَرَطُ أن يُوجَدَ في الأسواق من حين العقد إلى حلول الأجل‏.‏ فدلَّت على أن ثِمَارَ النخل يَجِبُ أن تَصْلُحَ، وتَخْرُجَ عن العاهات عند عقد السَّلَمِ، فإنها قبله كالمعدوم، وبه ظَهَرَتْ المناسبة‏.‏

باب‏:‏ الكَفِيلِ في السَّلَم

باب‏:‏ الرَّهْنِ في السَّلَم

قَاسَ الكَفَالَةَ على الرَّهْنِ، لأنه إذا صَحَّ الرَّهْنُ للاستيثاق، صَحَّت الكَفَالَةُ أيضًا‏.‏ وتَصِحُّ الكَفَالةُ عندنا للمُسْلَمِ فيه دون الثمن، وراجع الفِقْهَ‏.‏

2252- قوله‏:‏ ‏(‏وارْتَهَنَ‏)‏، الضميرُ إلى اليهوديِّ‏.‏

باب‏:‏ السَّلَمِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوم

قوله‏:‏ ‏(‏مَا لَمْ يَكُ ذلك في زَرْعٍ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وقد مرَّ أنه لا يُشْتَرَطُ كون المُسْلَمُ فيه في مِلْكِ المُسْلَم إليه عندنا، وإنما يُشْتَرَطُ كونه مأمونًا عن العاهات، ولا يَجُوزُ قبل ذلك‏.‏

باب‏:‏ السَّلَمِ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَة

وليس هذا بيع السَّلَمِ المعروف في الفِقْهِ، ولعلَّه أراد به الواجب في الذِّمة مطلقًا، والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

كتاب‏:‏ الشُّفعَة

باب‏:‏ الشُّفعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ فَلا شُفعَة

‏(‏من أحق بالشفعة‏)‏

وفي الحديث إشارةٌ إلى نفي الشُّفْعَةِ في المنقولات‏.‏ ثم الشُّفْعَةُ عندنا‏:‏ للشريك في نفس المبيع، وفي حقوقه، وللجار أيضًا‏.‏ وهي عند الشافعية‏:‏ للشريك فقط، فاحتجُّوا به على نفي الشُّفْعَةِ للجوار‏.‏ ولنا في ذلك أحاديث، وقد تأثَّر منها الشافعية أيضًا، حتى إنهم قالوا‏:‏ إن القاضي الحنفي لو حكم بالشُّفْعَةِ للجوار، ليس للشافعيِّ أن يَفْسَخَهُ‏.‏ وهذا وإن كان داخلا تحت قاعدة‏:‏ أن القضاءَ إذا لاقَى فصلا مُجْتَهَدًا فيه، صار مُجْمَعًا عليه‏.‏ إلا أن فيه دليلا على تأثرهم من تلك الأحاديث أيضًا‏.‏ وهي كقوله صلى الله عليه وسلّم عند الترمذيِّ‏:‏ «جَارُ الدَّارِ أحقُّ بالدَّار»، وكقوله‏:‏ «الجارُ أحقُّ بِسَقَبِهِ» عند البخاريِّ‏.‏

وأوَّله الشافعية، فقالوا‏:‏ إن المرادَ منه حقوقُ المجاورة، دون حقوق الشُّفْعَةِ‏.‏ قلتُ‏:‏ والحديثُ الأولُ يَرُدُّ هذا التأويل، فإنه يَدُلُّ على كون تلك الحقوق ما يتعلَّقُ بالدار، وهي حقوق الشُّفْعَةِ‏.‏ وأجاب بعضُ الحنفية عن حديث الباب بجوابٍ غير صحيحٍ، فراجعه من الهامش‏.‏ والجواب عندي‏:‏ أنه لا ريب أن الحديثَ جعل للجارِ وللشريكِ حقوقًا، ولكنه سمَّى حقوقَ الشريكِ شُفْعَةً، وحقوق الجار حقًا مطلقًا فقط‏.‏ أما الفقهاءُ فسمَّوْا كليهما شفعةً، فلم يَبْقَ نزاعٌ إلا في التسمية‏.‏

وحينئذٍ، فنفُي الشُّفْعَةِ في الحديث راجعٌ بالنظر إلى اصطلاحه، وإثباتُ الفقهاء بالنظر إلى مصطلحهم‏.‏ فإن أراد الشافعيةُ أن يُنْكِرُوا حقَّ الجار رأسًا، فالحديثُ واردٌ عليهم لإِثباته ذلك الحقْ، مثل الشريك، وإن لم يكن سَمَّاه شفعةً‏.‏ وإن أراد الحنفيةُ ثبوت ذلك الاسم، فلا سبيلَ لهم إليه من الحديث‏.‏ والحاصلُ‏:‏ أن المسألةَ في يد الحنفية، والتسمية والعنوان في يد الشافعية‏.‏

ومرَّ الشيخُ ناصر الدين بن المنير على هذا الحديث، ولعلَّه في تفسير سورة «مريم» فقال‏:‏ إن قوله‏:‏ «ما لم يُقْسَمْ»، يَدُلُّ على أن هذا المال كان قابلا للتقسيم، ثم لم يُقْسَمْ، لأن حرف «لم» إنما يُسْتَعْمَلُ في محلَ يكون من شأنه الإِثبات‏.‏ فَيُقَالُ‏:‏ لا يتكلَّم الحجر، ولا يُقَالُ‏:‏ لم يتكلَّم الحجر، لأنه ليس من شأنه التكلُّم‏.‏ ثم قال‏:‏ ولا تقسيمَ مع الجار، فإنه فرعُ الاشتراك، ولا اشتراكَ معه ليقسم‏.‏ فأَرَادَ منه أن يَنْفي الشُّفْعَةَ للجار‏.‏

قلتُ‏:‏ والصوابُ عندي‏:‏ أن أمثال تلك النكات البلاغية إنما تَلِيقُ بشأن القرآن للثقة بحفظ لفظه‏.‏ أمَّا في الحديث، فالبابُ أوسعُ منه‏.‏

باب‏:‏ عَرْضِ الشُّفعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ البَيع

والمرادُ من الصاحب‏:‏ الشفيعُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال الشَّعْبِيُّ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وحاصلُه‏:‏ أنه إذا رأى شُفْعَتَهُ تُبَاع، ثم لم يتكلَّم بشيءٍ، فإن شُفْعَتَهُ تَسْقُطُ‏.‏ وقد وَضَعَ لها الحنفيةُ ثلاث طَلَبَات، لأنها حقُّ ضعيفٌ يَسْقُطُ بالإِغماض‏.‏

2258- قوله‏:‏ ‏(‏ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ في دَارِكَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، كان لأبي رَافِعٍ بيتان في دار سعد‏.‏

2258- قوله‏:‏ ‏(‏فقال سعد‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، أني أعْطِيكَ من الثمن هذا القدر فقط، ولا أَزِيدُ عليه‏.‏

2258- قوله‏:‏ ‏(‏مُنَجَّمَةً‏)‏، أي بالأَقْسَاطِ، وهو المرادُ من قوله‏:‏ «مُقَطَّعَةً»، فكانت الشُّفْعَةُ في تلك القصة للجار‏.‏ فالصحابيُّ أيضًا فَهِمَ من الحديث ما فَهِمْنَاهُ‏.‏ ولعلَّ البخاريَّ أيضًا وافقنا في المسألة، فإنه أَخْرَجَ حُجَّةَ الحنفية‏:‏ «الجار أحقُّ بِسَقَبِهِ»‏.‏

باب‏:‏ أَيُّ الجِوَارِ أَقْرَب

ولا يُدْرَى أنه هل أَرَادَ من الجَارِ الجَارَ المُلاصِقَ، وأَرَادَ به موافقةَ الحنفية، أو حَمَلَهُ على الحقوق الأخرى‏.‏ غير أن الحديثَ الذي أَخْرَجَهُ ليس إلا في الحقوق العامة دون الشُّفْعَةِ، والله تعالى أعلم‏.‏

كتاب‏:‏ الإِجَارة

قيل‏:‏ الإِجارةُ‏:‏ فِعَالةٌ، وليس من باب الإِفعال، كذا ذَكَرَهُ ابن الحَاجِبِ في «الشافية»‏.‏ ثم اعلم أن الأجرَ على نحوين‏:‏ أجيرٌ مُشْتَرَكٌ، وهذا لا يستحقُّ الأجرَ حتى يَعْمَلَ‏.‏ وأجيرٌ خاصٌّ، وهو يستحقُّ الأجرَ بتسليم نفسه في المدة، وإن لم يَعْمَلْ‏.‏

باب‏:‏ اسْتِئْجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِح

باب‏:‏ رَعْيِ الغَنَمِ عَلَى قَرَارِيط

قوله‏:‏ ‏(‏ومَنْ لم يَسْتَعْمِلْ من أَرَادَهُ‏)‏، أي لم يستعمل من طلب العمل‏.‏

باب‏:‏ اسْتِئْجَارِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلام

واعلم أن اتحادَ المِلَّة ليس بشرطٍ في عقد الإِجارة، وكذا قيدُ الضرورة أيضًا مُقْحَمٌ‏.‏

واعلم أن مكاتبَ المعاملات الحكومية في عهد عمر في إيران كانت بالفراسية، وكان فيها مُحَاسِبٌ مجوسيٌّ، لأن العربَ لم يَكُونُوا يُحْسِنُون الحساب‏.‏ فلمَّا أُخْبِرَ به عمر أَمَرَ بعزله، وأَمَرَ بإِسقاط الحساب الفارسيِّ، وأَمَرَ بكتابة الدفاتر بالعربية‏.‏ قلتُ‏:‏ هذا في الدفاتر والمَنَاصِب، أمَّا الإِجارةُ المطلقة، فَتَصِحُّ في الكافر أيضًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عَامَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم يَهُودَ خَيْبَرَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، قال العينيُّ‏:‏ إن المعاملةَ في عُرْفِ المدينة هي المُزَارَعةُ والمُسَاقاةُ، لأن أرضَ خَيْبَرَ كانت حقًّا للغانمين، وسيجيء تفصيله‏.‏

2263- قوله‏:‏ ‏(‏قد غَمَسَ يمينَ حِلْفٍ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، كان من عادات العرب‏:‏ أنهم إذا حَلَفُوا يَضَعُون بين أيديهم ماءً، ويَجْعَلُون فيه لونًا، فإذا ظَهَرَ أثرُه فيه، غَمَسُوا فيه أيديهم وحَلَفُوا‏.‏ ومن ههنا سُمِّي اليمينُ غَمُوسًا‏.‏

باب‏:‏ إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ جازَ، وَهُما عَلَى شَرْطِهِمَا الَّذِي اشْتَرَطَاهُ إِذَا جاءَ الأَجَل

ويُقَالُ له في الفِقْهِ‏:‏ الإِجارةُ المضافةُ، والعقدُ فيها يكون في الحال، والعملُ في المآل‏.‏ ولتراجع «الهداية» للفرق بين الإِجارة المعلَّقةِ والمُضَافةِ‏.‏ ولم يُدْرِكْهُ الشاميُّ في النكاح‏.‏ ثم إن الفرقَ بينهما قد تسلسل في أبوابٍ شتَّى‏.‏ كالهِبَةِ، فإنها إذا كانت مُقَيَّدَةً بالشرط تَصِحُّ، وإذا كانت مُعَلَّقةً لا تَصِحُّ‏.‏ بخلاف البيع، فإنه لا يَصِحُّ، سواء كان مُعَلَّقًا بشرطٍ، أو مقيَّدًا به‏.‏

باب‏:‏ الأَجِيرِ في الغَزْو

يعني أن الغَزْوَ يكون خَالِصًا لله تعالى، فهل تَصِحُّ فيه الأُجْرَةُ‏؟‏ والجواب أنها تَصِحُّ، وإن حَبِطَ الأجرُ، فهو للأجير إلى آخر قطرة دمه‏.‏

2265- قوله‏:‏ ‏(‏جَيْشَ العُسْرَةِ‏)‏ يُقَالُ لغَزْوَةِ تَبُوك‏.‏

باب‏:‏ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَبَيَّنَ لَهُ الأَجَلَلَولَمْ يُبَيِّنِ العَمَل

باب‏:‏ إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى أَنْ يُقيمَ حائِطًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ جاز

باب‏:‏ الإِجَارَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَار

باب‏:‏ الإِجارَةِ إِلَى صَلاةِ العصْر

باب‏:‏ إِثْمِ مَنْ مَنَعَ أَجْرَ الأَجِير

باب‏:‏ الإِجارَةِ مِنَ العَصْرِ إِلَى اللَّيل

وهذا ما قُلْتُ‏:‏ أن المعقودَ عليه في باب الإِجارة قد يكون تسليمَ النفس، ولا يُشْتَرَطُ فيه العمل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏آجَرَكَ اللهاُ‏)‏ يُمْكِنُ أن يكونَ إشارةً إلى أن المُؤَاجَرَةَ تُسْتَعْمَلُ في الفواحش، فالمُؤَاجَرَةُ‏:‏ المعاملةُ على الزنا، كما صرَّح به الزمخشريُّ‏.‏

باب‏:‏ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ المُسْتَأْجِرُ فَزَادَ،أَوْ مَنْ عَمِلَ في مالِ غَيرِهِ فَاسْتَفضَل

إذا تصرَّف في مال الغير، فهل يَكُونُ الربحُ للعامل، أو المالك‏؟‏ وقد مرَّ عن«الهداية»‏:‏ أن الربحَ في البيع الفاسد يَطِيبُ للبائع، لأنه ربحٌ في ثمنه، ولا يَطِيبُ للمشتري، فإنه ربحٌ في المبيع‏.‏ ووجهُ الفرق ذَكَرَهُ صاحبُ «الهداية»، واعْتُرِضَ عليه أنه لا فرقَ بينهما، فإن المبيعَ إذا بِيعَ صار نقدًا، فلم يَبْقَ بين الثمن والمبيع فرقٌ في ثاني الحال، وإن كان فرقًا في أول الحال‏.‏ وحينئذٍ ينبغي أن يكونَ ربحُ الثمنِ أيضًا خبيثًا، أو ربحُ المبيعِ أيضًا طيبًا‏.‏

وأجاب عنه الشيخُ سعد الدين‏:‏ أن هذه المسألة إنما هي في البيع الأول‏.‏ أمَّا بعد ذلك، فَيَطِيبُ له الربح في ذلك الثمن أيضًا، وإن كان هذا الثمن حَصَلَ له ببيع المبيع في البيع الأول‏.‏ فالربحُ الذي حَصَلَ للمشتري في أول بيعه يبقى خبيثًا، ثم إذا اشترى منه شيئًا يَطِيبُ له الربح أيضًا، كالربح للبائع الأصليِّ، وهو الأولُ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ آجَرَ نَفسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ، ثمَّ تَصَدَّقَ بِهِ، وَأُجْرَةِ الحَمَّال

أي من آجَرَ نفسه، فاكتسب شيئًا، فاستفضل منه شيءٌ، فتصدَّقَ به‏.‏

باب‏:‏ أَجْرِ السَّمْسَرَة

وأجرتُه حلالٌ عندنا، سواء كان من جهة البائع، أو المشتري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بِعْ هذا الثَّوْبَ، فَمَا زَادَ على كَذَا وكَذَا فَهُوَ لَكَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وهذه الإِجارةُ فاسدةٌ عندنا لجهالة الأُجْرَةِ، فيستحقُّ أجرةَ المِثْلِ، على ما هو المسألة في الإِجارةِ الفاسدةِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المُسْلِمُون عند شُرُوطِهِمْ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، يعني يَلْزَمُهُم كلُّ شرطٍ تتحمَّله قواعدُ الشرع، فعليهم الإِيفاءُ بها‏.‏

باب‏:‏ هَل يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ في أَرْضِ الحَرْب

وقد مرَّ‏:‏ أن المُؤاجَرَةَ شائعةٌ في الفحشاء، والزنا، ولعلَّ البخاريَّ غافلٌ عن هذا الاصطلاح، ولا يَبْعُدُ أن يكونَ العُرْفُ المذكورُ اشتهر بعد زمن البخاريِّ‏.‏

باب‏:‏ ما يُعْطَى في الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ العَرَبِ بِفَاتِحَةِ الكِتَاب

والرُّقْيَةُ‏:‏ ‏(‏افسون‏)‏، وفي الهندية‏:‏ ‏(‏منتر‏)‏‏.‏ ولا يُقَالُ‏:‏ إلا لِمَا اشتملت على كلماتٍ غير مشروعةٍ‏.‏ وحينئذٍ كان المُنَاسِبُ أن لا تُسَمَّى العُوذَة، والكلمات المشروعة بالرُّقْيَة، مع أنهم يَسْتَعْمِلُونَها في تلك أيضًا‏.‏

واعلم أن ههنا مسألتين‏:‏ الأولى‏:‏ أخذُ الأُجْرَةِ على تعليم القرآن، والأذان، والإقامة‏.‏ ولا يَجُوزُ فيها أخذُ الأُجْرَةِ على المذهب، وإن أَفْتَى المتأخِّرون بجوازها‏.‏ وتعليلُ صاحب «الهداية» يُوجِبُ عدم الجواز مطلقًا، وحينئذٍ استثناء المتأخِّرين يصَادِمُ المذهبَ صراحةً‏.‏ نم يُسْتَفَادُ من تعليل قاضيخان‏:‏ أن استثناءَ الأشياءِ المذكورةِ يُتَحَمَّلُ على المذهب أيضًا، فقال‏:‏ إن الوظائفَ في الزمان الماضي كانت على بيت المال‏.‏ ولمَّا انْعَدَمَ، عادت الفريضة على رقاب الناس، وعليه الاعتمادُ عندي‏.‏ لأن رتبةَ قاضيخان أعلى من «الهداية»، كما صرَّح به العلامة القاسم بن قُطْلُوبُغَا‏.‏

والثانية‏:‏ مسألةُ الأجرة على التعوُّذ، والرُّقْيَة، وهي حلالٌ لعدم كونها عبادةً‏.‏

قلتُ‏:‏ ويتفرَّعُ على الأولى أن لا يَصِحَّ أخذُ الأُجْرَةِ على قراءة القرآن للميت، لأن الأجيرَ إذا لم يُحْرِزْ ثوابَ القراءة، فكيف يُعْطِيه للميت‏؟‏ نعم لو كان الخَتْمُ لمطالب دنيوية، طاب له الأُجْرَةُ، هكذا نَقَلَهُ الشاميُّ، وشيَّده بنقولٍ كثيرةٍ من أهل المذهب‏.‏ وقد أَخْرَجْتُ الجواز من ثلاث كُتُبٍ للحنفية‏:‏ منها «التفسير» للشاه عبد العزيز، فإنه ليَّنَ الكلامَ، وأجاز به‏.‏

ثم إن تلك الكُتُب، وإن كانت مرجوحةً من حيث الأصل، لكنه من دَأْبي القديم‏:‏ أنه إذا ثَبَتَ التنوُّعُ في المسألة أُلَيِّنُ الكلامَ، وأَسْلُكُ مسلكَ الإِغماض، ولذا أُغْمِضُ عن تلك المسألة أيضًا‏.‏ وما ظَنَّهُ بعضُ السفهاء من أن المنعَ فيما إذا أخذ الأُجْرَةَ أقل من أربعين دِرْهمًا، ونَسَبُوه إلى «المبسوط» فهو كذبٌ محضٌ، وافتراءٌ لا أصلَ له‏.‏ ثم إذا عوَّذ كافرًا، ورأى أن عُوذَتَهُ تَشْتَمِلُ على كلماتٍ لا تَلِيقُ بشأن الكافر، ينبغي أن ينوي منها البركة فقط‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أَحَقُّ ما أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهاِ‏)‏، وتمسَّكَ به الشافعيُّ على جواز أخذ الأُجْرَةِ على تعليم القرآن، وغيره‏.‏ وهو عندنا محمولٌ على الرُّقْيَةِ، ونحوها‏.‏ ووِزَانُه وِزَانُ قوله‏:‏ «ليس مِنَ البرِّ الصيامُ في السَّفَرِ»، فجعل الصيامَ كأنه ليس فيه بِرٌّ‏.‏ وعلى نَقِيضِه جعل أخذ الأُجْرَةِ ههنا، كأنه هو البرُّ كلُّه، فهذا نحو تعبيرٍ لا غير‏.‏ لنا ما أخرجه أبو داود عن عُبَادَةَ بن الصَّامت‏:‏ «أنه أهْدِيَ له قوسٌ ممَّن كان يُعَلِّمُهُ القرآن فسأل النبي صلى الله عليه وسلّم عنه، فقال له‏:‏ إن أَرَدْتَ أن تُطَوَّقَ طوقًا من نار، فاقبلها»‏.‏ وراجع الهامش‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال الشَّعْبِيُّ‏:‏ لا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ، إلا أَنْ يُعْطَى شيئًا فَلْيَقْبَلْهُ‏)‏، والحافظُ ابن تَيْمِيَة يَسْتَشِيطُ غيظًا في مثل هذه المواضع ممَّا فصَّلَهُ الحنفيةُ‏:‏ أَنَّ الأُجْرَةَ إن كانت مشروطةً لم تَجُزْ، وإلا جَازَتْ‏.‏ فقال‏:‏ لم نَعْلَمْ لهذا القيد ثمرةً في الخارج بعدما أخذ الأُجْرَةَ، فإن الحديثَ قد نَهَى عنها، وهذا قد نَاقَضَهُ، وأَخَذَ الأجرةَ سواء اشْتَرَطَ، أو لم يَشْتَرِطُ‏.‏ حتى أنه قد أَفْرَدَ لذلك جزءً مستقلاًّ في «فتاواه»، وسمَّاه باسمٍ على حِدَةٍ، وأراد منه الرَّدَّ على محمد‏.‏

قلتُ‏:‏ أمَّا غَيْظُهُ فَلْيَكْظِمْهُ، وشأنه في ذلك فَلْيَخْفِضْهُ‏.‏

فإن لنا أيضًا حديثًا عند الترمذيِّ، عن ابن عمر وصحَّحه، «نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عن عَسْبِ الفحل»، اهـ‏.‏ وأجرتُهُ حرامٌ عندنا أيضًا، كما في الحديث‏.‏ ثم أخرج عن أنس، وفيه‏:‏ و«نُكْرَمُ»، فرخَّص له في الكرامة‏.‏ فإذا ثَبَتَ أصلُه وجنسُه، فالنكيرُ على الحزئيات عَسِيرٌ غير يسيرٍ‏.‏ وهذا إلى المجتهد، أدخل تحتها أيَّ الجزئيات أراد‏.‏ وقد مرَّ منا مِرَارًا‏:‏ أن الجزئياتِ تَصْدُقُ عليها ألوفٌ من الكلِّيات، والنظر في أنها بأيَ من الكليات أقرب من مَدَارِكِ الاجتهادِ، ولا دَخْلَ لنا فيه‏.‏

والحاصلُ‏:‏ أنه وقعت في كُتُب الحنفية جزئياتٌ جرى بها التَّعَامُل، والتوارُث، ونقول بجوازها‏.‏ ثم الناسُ يأخذون علينا، ويختارون خُطَّةَ عَسْفٍ وخَسْفٍ، ورَحِمَ اللهاُ من أَنْصَفَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏القَسَّام‏)‏، كان بيتُ المال يَنْصِبُ رجلا للتقسيم، ويُقَالُ له‏:‏ القَسَّام، ويُقَالُ له في بلادنا‏:‏ الأمين‏.‏ وفي الفِقْهِ‏:‏ أن أُجْرَتَهُ تكون على بيت المال، وأن لا تُؤخَذَ منهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ‏)‏، ورَاجِعْ تفصيله من كُتُبِ الفِقْهِ من كتاب القضاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكَانُوا يُعْطَوْنَ على الخَرْصِ‏)‏، والمرادُ من الخَرْصِ‏:‏ ما كان يفعله العُمَّالُ في ثمار الناس قبل أخذ العُشْرِ‏.‏ ويُمْكِنُ أن يكونَ المرادُ منه‏:‏ ما هو شائعٌ بين البائع والمشتري في البِيَاعَات، فَدَلَّ على كونه مطلوبًا أيضًا‏.‏ ثم الفرقُ بين الجِزَافِ والخَرْصِ‏:‏ أنه لا تقديرَ في الجِزَافِ أصلا، بخلاف الخَرْصِ‏.‏ فإن فيه تقديرًا في الجملة، وإن لم يُعْلَمْ كالكيل، والوزن‏.‏

2276- قوله‏:‏ ‏(‏حتى تَجْعَلُوا لنا جُعْلا‏)‏، وقد مرَّ مني‏:‏ أن أخذَ الأَجْرِ على قراءة القرآن للحوائج الدنيوية جائزٌ‏.‏ بَقَيَ التعليمُ، ففيه أيضًا توسيعٌ على ما علَّل به قاضيخان‏.‏ أما أخذُ الأُجْرَةِ على إيصال الثواب للميت، فلي فيه تردُّد شديدٌ، وأكُفُّ عنه لساني‏.‏

2276- قوله‏:‏ ‏(‏واضْرِبُوا لي مَعَكُمْ سَهْمًا‏)‏، وهو الذي فَعَلَهُ صلى الله عليه وسلّم في قصة صيد أبي قُتَادَة، وهكذا فَعَلَهُ في قصة العنبر، فكلُّ موضعٍ تردَّد فيه الصحابةُ رضي الله تعالى عنهم، أَزَالَهُ صلى الله عليه وسلّم بضرب سَهْمٍ منه لنفسه الكريمة أيضًا‏.‏

باب‏:‏ ضَرِيبَةِ العَبْدِ، وَتَعَاهُدِ ضَرَائِبِ الإِماء

‏(‏قوله‏:‏ ‏(‏ضَرِيبَةَ العبد‏)‏‏)‏ أي خَرَاجه‏.‏

باب‏:‏ خَرَاجِ الحَجَّام

باب‏:‏ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ العَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِه

باب‏:‏ كَسْبِ البَغِيِّ وَالإِماء

باب‏:‏ عَسْبِ الفَحْل

قوله‏:‏ ‏(‏وكَرِهَ إبراهيمُ أجرَ النَّائِحَةِ والمغنِّية، وقول الله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 33‏)‏، قال مجاهدٌ‏:‏ ‏{‏فَتَيَتِكُمُ‏}‏ إمائكم‏)‏‏.‏ والبَغِيُّ كالحامل، والمُرْضِعِ، فذوات التاء منها لمن تكون مُتَّصِفَةً بتلك الأوصاف في حالتها الراهنة، وبدونها لمن تكون من شأنها أن تُرْضِعَ، وتَحْمِلَ، وإن لم تكن مُتَّصِفَةً بها بالفعل‏.‏ وهذا كالفرقِ بين السَّامِعِ والسميع، فالأوَّلُ لمن يَسْمَعُ شيئًا، والثاني لمن كان من شأنه أن يَسْمَعَ، وإن لم يكن سَامِعًا لشيءٍ بالفعل‏.‏ فلا يَصِحُّ قولك‏:‏ أنا سامعٌ كلامك، إذا لم تَكُنْ تَسْمَعُهُ بالفعل‏.‏

وهذا الذي قُلْتُ في قول النبيِّ صلى الله عليه وسلّم «فإنه لا صلاةَ لمن لم يَقْرَأْ بها»‏:‏ إنه شأنٌ للفاتحة، لا حكم به‏.‏ فالشأنُ يكفي له تحقُّقه في الجنس، ولا يَجِبُ تحقُّقه في هذا الموضع بخصوصه‏.‏ فالفاتحةُ إنما اتَّصَفَتْ بهذه الصفة في مادة المُنْفَرِد، والإِمام‏.‏ أمَّا في حقِّ المقتدي، فاتِّصَافُهَا على طريق اتِّصَاف الشيء بحاله في الجنس‏.‏ ومن ههنا انْدَفَعَتْ شبهةٌ أخرى، وهي أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّ ااَ يَغْفِرُ الدُّنُوبَ جَميعًا‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 53‏)‏ بظاهره يُؤَيِّدُ المُرْجِئَةَ إن حَمَلْنَاهُ على الإِخبار، فإنه يَدُلُّ على أنه لا تَضُرُّ مع الإِيمان معصيةٌ، إذ الله سبحانه يَغْفِرُ الذنوبَ جميعًا‏.‏ وقد ذَكَرُوا له أجوبةً، وأَضَافُوا عليه قيودًا‏.‏

وما ذَكَرَهُ ابنُ مسعودٍ في جوابه، وإن كان صادقًا في نفسه، ولكنه لا يكفي للخروج عن عُهْدَةِ البلاغة‏.‏ فالجوابُ أنه بيانٌ لشأنه تعالى، لا أنه حَكَمَ به‏.‏ فالمعنى‏:‏ أن الله تعلى شأنه أن يَغْفِرَ الذنوب جميعًا إن شاء، ولا يَجِبُ عليه أن يَفْعَلَ ذلك أيضًا‏.‏ أَلا تَرَى أنه يَصِحُّ قولك‏:‏ فلانٌ سميعٌ، وإن لم يكن يَسْمَعُ شيئًا‏.‏ وذلك لأنه ليس فيه ما يَدُلُّ على السماع بالفعل، بل فيه شأن السماع، وهذا لا يُوجب أن يكون سابعًا لشيء بالفعل‏.‏ فهكذا مغفرة الذنوب جميعًا، ليس على طريق الحكم منه، بل هو شأنٌ تعالى‏.‏

2283- قوله‏:‏ ‏(‏نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عن كَسْبِ الإِمَاءِ‏)‏ ليس فيه لفظ المَهْرِ، ولا لفظ البَغِيِّ‏.‏ بل فيه لفظ الكسب بدل المهر، والإِماء بدل البَغِيِّ‏.‏ وهذا شاهدٌ لِمَا نبَّهْتُكَ من قبل‏:‏ أن المسألةَ في الإِماءِ دون الحرائر‏.‏ وينبغي أن لا يُفْتَى اليومَ إلا بالحُرْمَةِ مطلقًا، سواء كان المعقودُ عليه تسليمَ النَّفْسِ، أو الزنا، سدًا للذرائع‏.‏ فإن أئمة الفُسْقِ قد بَغَوْا وعَتَوْا في زماننا، ولا يَسْتَأْجِرُون البغايا إلا على تسليم النفس‏.‏ فلو فصَّلنا في المسألة، يُفْتَحُ عليهم باب الزنا‏.‏

ولا أدري ممَّن وَقَعَ هذا القصور، فإن حُرْمَةَ أُجْرَةِ المغنِّية والنائحة موجودةٌ في المتون‏.‏ ونقل في «البحر» إجماعَ الأمة على حرمة أجرة الزنا، ثم لا تَزَالُ تُنْقَلُ مسألة أجرة الزنا في الكُتُبِ أيضًا‏.‏ فإن حَمَلْتَ الإِجماعَ المذكورَ على غير هذا الجزئي لكون المعقودُ عليه فيه تسليمَ النفس، لَزِمَ عليَّ فتح باب الزنا على الفُسَّاق، فإنهم لا يَزْنُونَ اليومَ إلا بطريق الأجير الخاصِّ‏.‏ وإن قُلْتَ بالإِطلاق، فماذا أَصْنَعُ للمذهب‏.‏ والأحكمُ أن يُحْكَمَ بالحرمة مطلقًا‏.‏ وقد مرَّ تقريرُه في آخر باب السَّلَمِ‏.‏

باب‏:‏ إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَمَاتَ أَحَدُهُما

ولا يُسْتَأْصَلُ الزرعُ عندنا، بل يَمْكُثُ حتى يَخْرُجَ عن الخسارة‏.‏ وقال الحسنُ خلافًا للحنفية‏:‏ فإن الإِجارةَ تَنْفَسِخُ عندنا بموت أحد المُتَعَاقِدَيْنِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم يُذْكَرْ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ جَدَّدا الإِجارةَ‏)‏، والعَجَبُ من البخاريِّ أنه يَجْعَلُ معاملةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم مع أهل خَيْبَرَ إجارةً، ثم يَحْكُمُ بإمضائها بعد وفاة أحد المُتَعَاقِدَيْن، وهي عند الحنفية خَرَاجٌ مُقَاسَمَةً‏.‏ قلتُ‏:‏ كيف يكون خَرَاجًا مقامسةً، مع أن الأرضَ فيه تكون للزراعين، وأرض خَيْبَرَ كانت للغانمين، كما في «الهداية» من السِّيَر‏:‏ أن خَيْبَرَ فُتِحَتْ عَنْوةً، فتكون أراضيها لأهل الإِسلام، ولو كانت خَرَاجًا مقاسمةً لكانت لليهود‏.‏

وأجاب عنه مولانا شيخ الهند‏:‏ أن الخَرَاجَ، وإن كان في الأصل كما قلتَ، لكن المرادَ منه ههنا هو مقاسمةُ الخارج فقط، سواء كانت الأرض للزراعين، أو لا‏.‏

قلتُ‏:‏ وفيه إشكالٌ آخر، وهو أن عمر أَجْلاهُم من خَيْبَرَ، كما في البخاريِّ‏.‏ فَلْيُمْعَنْ النظر في هذا الإِجلاء، فإنهم كانوا مالكين فما معنى الإِجلاء‏.‏ إلا أن في الروايات‏:‏ أن عمر كان أعطاهم بها شيئًا، فَلْيُحَرِّره‏.‏

فالحاصلُ‏:‏ أنها مزارعةٌ عند البخاريِّ، وخَرَاجٌ مقاسمةً عند الحنفية‏.‏ وحينئذٍ فَلْيَسْأَلِ البخاريُّ‏:‏ أن المزارعةَ هل تبقى بعد موت أحد المتعاقدين أيضًا‏.‏ أمَّا خَرَاج المقاسمة، فيبقى ما بَقِيَت السلطنة‏.‏ والظنُّ أن البخاريَّ لم تتنقَّح عنده معاملتهم، فقد يَجْعَلُها إجارةً أخرى مزارعةً‏.‏ وراجع لتحقيقه «مبسوط السَّرَخْسِيِّ»، فقد حقَّقه بما لا مزيدَ عليه‏.‏

كتاب‏:‏ الحَوَالات

باب‏:‏ في الحَوَالَةِ، وَهَل يَرْجِعُ في الحَوَالَةِ‏؟‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهَلْ يَرْجِعُ في الحَوَالَةِ‏)‏ والمصنِّفُ أَبْهَمَ في الكلام، ورَاجِعْ له «الهداية»، فقد يجوز رجوعُ المُحْتَالَ على المُحِيلِ في جزئيات، فمن جملة تلك الجزئيات هذه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ‏)‏ يعني أنه كان غنيًّا يوم الحَوَالَةِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَان‏)‏ والتَّخَارُجُ بابٌ في السِّرَاجي، وهذا بابٌ في الورثة‏.‏ والمصنِّفُ وَضَعَهُ بين الشركاء أيضًا، وله وجهٌ أيضًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا عينًا وهذا ديْنًا‏)‏، يعني‏:‏ أَخَذَ واحدٌ منهما الموجودَ، والآخرُ المعدومَ، ويَلْزَمُ فيه الربا في بعض الصور في فِقْهِنَا‏.‏

2287- قوله‏:‏ ‏(‏مَطْلُ‏)‏ ‏(‏تال متول‏)‏‏.‏

حكايةٌ‏:‏ لَقِي الصعلوكُ المجنونُ أبا حنيفة في بعض طريقه مرَّةً، وكان في يده خبزٌ يأكله‏.‏ فأدَّبه أبو حنيفة، وقال له‏:‏ أَمَا كنتَ تَجِدُ مكانًا فَتَقْعُدُ فيه، وتأكل طعامك‏؟‏ فما أقل صبرك أيها الصعلوك‏.‏ فأجابه، وأسند في الحال هذا الحديث، وقال‏:‏ مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، يعني به‏:‏ أن النفسَ جائعةٌ، فإذا ظَفِرْتُ بالخبز وصِرْتُ غنيًا، فحينئذٍ التأخيرُ في الأكل مَطْلٌ وظلمٌ، فتبسَّم منه أبو حنيفة‏.‏ وكان الصعلوكُ كالبهلول في زمن الرشيد، وهو عندي مَجْذُوبٌ‏.‏

باب‏:‏ إِذَا أَحالَ عَلَى مَلِيّ فَلَيسَ لَهُ رَد

2288- قوله‏:‏ ‏(‏ومن أُتْبِعَ عَلَى مَلِيء فَلْيَتَّبِعْ‏)‏، معناه‏:‏ إذا كان لأحدٍ عليكَ شيءٌ، فأَحَلْتَهُ على رجلٍ مليء، فَضَمِنَ ذلك منكَ، فإن أَفْلَسْتَ بعد ذلك، فله أن يَتَّبِعَ صاحب الحَوَالةِ، فَيَأْخُذُ منه‏.‏

واعلم أن قيد المصنِّف‏:‏ فإن أفلست‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وقع في غير موضعه، فإن إفلاسَ المُحِيل غير مُؤَثِّرٍ، ولا دَخْلَ له ههنا‏.‏ نعم لو ذكر إفلاس المُحْتَال عليه لكان أحسن، فإن له جزئيات في الفقه‏.‏

باب‏:‏ إِنْ أَحالَ دَينَ المَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَاز

باب‏:‏ إِذا أَحالَ دين الميت على رجلٍ جاز

في «الهداية»‏:‏ أن دينَ الميِّت لا يَقْبَلُ الحَوَالَةَ، وليس في الحديث ما يَرِدُ علينا، لأنه من باب الوُثُوق بوعد رجلٍ صَدُوقٍ، لا من باب الكَفَالَةِ، أو الحَوَالَةِ‏.‏ فهو بابٌ آخر، وإدخالُه في باب الحَوَالَةِ ليس بذاك‏.‏ وإرجاعُ الأبواب كلِّها إلى أبواب الفِقْهِ ليس بشيءٍ‏.‏ فإنا نَجِدُ أبوابًا، كالمروءة، وغيرها، لا نجد لها أثرًا في الفقه‏.‏ كيف وأنها لا تَلِيقُ بموضوع الفقهاء، فهذه تكون جائزةٌ في نفسها، فإذا جَرَتْ إلى الفقه عادت إلى عدم الجواز، فليتنبَّهْ في تلك المواضع‏.‏

كتاب‏:‏ الكَفَالَة

باب‏:‏ الكفَالَةِ في القَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالأَبْدَانِ وَغَيرِهَا

واعلم أن الكَفَالَةَ على نحوين‏:‏ كفالةٌ بالنفس، ويكون فيها كَفِيلٌ، ومَكْفُولٌ له، وبه‏.‏ وكَفَالَةٌ بالمال، وفيها مَكْفُولٌ عنه أيضًا مع سائر الألقاب‏.‏

ثم القرضُ والدينُ يفترقان‏.‏ فالقرضُ ما يأخذه الرجل لحوائجه، ويُعَدُّ إعانةً في الحال‏.‏ والدينُ ما يَلْزَمُ في المُعَاوَضَات والمعاملات‏.‏ ثم التأجيلُ لا يَلْزَمُ في باب القرض، فَلِلْمُقْرِضِ أن يُطَالِبَهُ قبل حلول الأجل، بخلاف الدين، فإنه يَقْبَلُ التأجيل، وليس لصاحب الدين أن يُطَالَبَ من عليه الدين قبل حلول الأجل‏.‏ ولفظه في الفِقْهِ‏:‏ أن تأجيلَ القرض ليس بصحيحٍ‏.‏ ولم يَفْهَمْهُ بعضُهم، فَحَمَلَهُ على الإِثم، أي إن التأجيلَ في القرض معصيةٌ، وليس بصحيحٍ‏.‏ بل معناه‏:‏ أنه ليس بلازمٍ، لا أنه معصيةٌ‏.‏ وكذا لا تَصِحُّ الكَفَالَةُ في القرض، لأنه من باب الاعتماد، فإن لم يكن له اعتماد عليه ينبغي أن لا يُقْرِضَهُ‏.‏ بخلاف الدين، فإنه مضمونٌ بنفسه، على ما فُصِّلَ في الفِقْهِ‏.‏

2290- قوله‏:‏ ‏(‏جَارِيَةِ امْرَأتِهِ‏)‏ أي كانت مملوكةً لزوجته، ولم تَكُنْ مملوكةً للزوج‏.‏ وحاصلُ تلك القصة‏:‏ أن رجلا وَطِىء جاريةَ امرأته، فأراد السَّاعي أن يُقِيمَ عليه الحدَّ‏.‏ فقال له آخرون‏:‏ إن هذه قصةٌ قد رُفِعَتْ مرَّةً إلى عمر، وسَبَقَ فيه قضاؤه، فَأَخَذَ عليه الساعي كفيلا منه للاعتماد، ليتحقَّقَه حين يَرْجِعَ إلى عمر‏.‏ فلمَّا رَجَعَ إليه صدَّقهم عمر، وعَذَرَ الرجلَ على اعتذاره بعدم العلم بالمسألة، فإنه ظنَّ أن جاريةَ الزوجة كجاريته، فَيَحِلُّ له وطؤها‏.‏ كالوطء من جاريته‏.‏ واعتبره الحنفيةُ أيضًا شبهةً دَارِئَةً للحدِّ، إلا أن الرجمَ إذا سَقَطَ عنه، سَقَطَ رأسًا‏.‏ وليس عليه الجلدُ، وإنما جلده عمر تعزيرًا، وراجع الهامش‏.‏ وكيفما كان، خَرَجَ منه أصلٌ لاعتبار الشُّبُهَات‏.‏ أمَّا إنها متى تُعْتَبَرُ، ومتى لا تُعْتَبَرُ، فأمرٌ مَوْكُولٌ إلى المجتهدين‏.‏

وكذا فيه ما يَدُلُّ على صحة الكَفَالَةِ في الحدود‏.‏ ولكن يُخَالِفُهُ ما في «الكنز»‏:‏ وبطلت الكَفَالَةُ بحدٍ وقَوَدٍ‏.‏ قلتُ‏:‏ معناه‏:‏ لا يُجِيرُ بالكَفَالَةِ في هذا الباب‏.‏ فإن سَمَحَ بها أحدٌ قُبِلَتْ في الديانة، ولا تكون له أحكامٌ في الفِقْهِ، لأن الكَفَالَةَ الفقهيةَ في الكَفَالَةِ بالنفس لا تكون ههنا إلا باستيفاء الحدود والقصاص منه‏.‏ وذا لا يُتَصَوَّرُ فيها، فلا يكونُ لها حكمٌ في القضاء‏.‏ وإنما هي من الأمور البيِّنة التي يَفْعَلُهَا الناسُ على الاعتماد فيما بينهم، على نظير الخَرْصِ، فإن كلامَ الطحاويِّ يُوهِمُ نفيه‏.‏ قلتُ‏:‏ لا رَيْبَ في كونه مفيدًا، إلا أنه ليس بحُجَّةٍ في القضاء، فهو من هذا الباب‏.‏ ولذا قُلْتُ‏:‏ إن الأبوابَ الكثيرةَ تُوجَدُ فيما بينهم على المُسَامَحَةِ، ولا تَجِدُ لها أثرًا في الفِقْهِ، وكان هذا مهمًا لو تعرَّض إليه أحدٌ‏.‏

2290- قوله‏:‏ ‏(‏فَأَخَذَ حَمْزَةُ من الرَّجُلِ كُفَلاءَ‏)‏، أي كفلاء بالنفس‏.‏

2290- قوله‏:‏ ‏(‏قد جَلَدَهُ‏)‏، أي قَبْلَ ذلك‏.‏

2290- قوله‏:‏ ‏(‏وقال جريرٌ والأَشْعَثُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وقصَّتُه‏:‏ أن عبد الله بن مسعود كان بالكُوفَة، فأخبره رجلٌ أنه رأى جماعةً من الناس منهم عبد الله ابن النوَّاحة في مكان كذا، كانوا يَذْكُرُون مُسَيْلَمَةَ الكذَّاب‏.‏ فأرسل إليهم ابن مسعود، وأمرهم بأسرهم‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، فَقَتَلَ عبد الله ابن النوَّاحة، ولم يَسْتَتِبْهُ‏.‏

2290- قوله‏:‏ ‏(‏وقال حمَّادٌ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وحمَّادٌ هذا أستاذُ أبي حنيفة‏.‏ ولا أَكَادُ أَفْهَمُ ماذا حمل البخاريَّ على أنه يأْخُذُ عن حمَّاد، وإبراهيم النَّخَعي، ولا يأْخُذُ عن أبي حنيفة‏.‏ ولا أَعْرِفُ فيه شيئًا غير أنه بَسَطَ الفِقْهَ أمَّا رميُه بالإرْجَاء، فقد رُمِيَ به حمَّاد أيضًا، وليس إلا من إرجاف المُرْجِفِينَ‏.‏ وإنما الإِرجاءُ الباطلُ‏:‏ أن يقولَ بعدم الاحتياج إلى العمل‏.‏ وأمَّا من يقولُ بعدم جزئية الأعمال، فمن يستطيعُ أن يَحْكْمَ عليه بالإِرْجَاء وهذا الذي قال به الإِمام الأعظم‏.‏ وأمَّا النحوُ الأولُ، فحاشاه أن يقولَ به‏.‏

2290- قوله‏:‏ ‏(‏إذا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فمات، فلا شيْءَ عليه‏)‏، أي لأنه كان كفيلا بالنفس، وهي تَبْطُلُ بالموت‏.‏ أمَّا الحَكَمُ بن عُيَيْنَة، فقال‏:‏ إن عليه الضَّمَان‏.‏

2291- قوله‏:‏ ‏(‏فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قال‏:‏ كَفَى باللهاِ كفيلا‏)‏ قلتُ‏:‏ وهل رأيتَ أحدًا منهم يَجُرُّه إلى باب الفِقْهِ، ويَبْحَثُ أنه هل تَصِحُّ الكفالة بالله أم لا‏؟‏ فكان ينبغي لهم أن يُرَاعوه في مواضعَ أخرى أيضًا‏.‏

2291- قوله‏:‏ ‏(‏زَجَّجَ‏)‏‏:‏ ‏(‏دات لكادى‏)‏‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيمَانُكُمْ فَآتُوهمْ نَصِيبَهُمْ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 33‏)‏

باب‏:‏ مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيَّتٍ دَينًا، فَلَيسَ لَهُ أَنْ يَرْجِع

باب‏:‏ جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ في عَهْدِ النبي صلى الله عليه وسلّم وَعَقْدِه

باب‏:‏ الدَّين

واعلم أن في لفظ الحديث اختلالا من بعض الرواة، فتعسَّر منه تحصيل المراد‏.‏ وقد تعرَّض إليه الحافظُ، فلم يَصْنَعْ شيئًا‏.‏ والحلُّ‏:‏ أن الراوي تَلا أولا آيتين‏:‏ الأولى ‏{‏وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 33‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ والثانية‏:‏ ‏{‏والذين عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 33‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ كأنه أراد به أن تفسيرَهُمَا سيأتي، ثم ذكر القصة‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لمَّا قَدِمَ المدينةَ، وقَدِمَ معه المهاجرون، آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان إذا مات المهاجرُ يَرِثُهُ الأنصاريُّ‏.‏ فلمَّا هاجر ورثتهم أيضًا نُسِخَتْ المؤاخاة، وكان يَرِثُ المهاجر وارثه دون الأنصاريِّ‏.‏

ومن ههنا تبيَّن أن الإِعراب في قوله‏:‏ «يَرِثُ المُهَاجِرَ الأنصاريُّ»، بنصب المهاجر على المفعولية، ورفع الأنصاريّ على الفاعلية، فما أَعْرَبَهُ صاحبُ النسخة خلاف الأَوْلَى‏.‏

2292- قوله‏:‏ ‏(‏فَلَمَّا نَزَلَتْ ‏{‏وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ‏}‏ نَسَخَتْ‏)‏، أي‏:‏ فلمَّا نزلت الآية الأولى، وهي ‏{‏وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ‏}‏ أي ورثته، نُسِخَتْ المؤاخاة، هذا على البناء مجهولا‏.‏ وإن قَرَأَ معروفًا، فمعناه نَسَخَتْ الآيةُ الأولى المُؤَاخَاةَ المتقدِّمةَ، وصار يَرهثُ كلاًّ وَارِثه‏.‏ ثم تعرَّض إلى تفسير الآية الثانية التي فيها ذِكْرُ وَلاء المُوَالاة، أو تلك المُؤَاخَاة العارضة، فقال‏:‏ إن تلك المُعَاقدةَ منسوخةٌ إلا في ثلاثة مواضع، وهي‏:‏ النَّصْرُ، والرِّفَادَةُ، والنَّصِيحَةُ‏.‏

2292- قوله‏:‏ ‏(‏وقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ‏)‏، أي الميراث بين العاقدين‏.‏ فالمعنى‏:‏ أن تلك الآيةَ منسوخةٌ في بعض جزئياتها، وهي‏:‏ الميراثُ، فلا ميراثَ بين العَاقِدَيْن‏.‏ ومُحْكَمَةٌ في بعضها، وهو‏:‏ النَّصْرُ، والرِّفَادةُ، والنصيحةُ، فهي واجبةٌ بين العاقدين، وغيرهما في كلِّ حال‏.‏ وهذا الذي كُنْتُ أقولُ‏:‏ إنه ثَبَتَ عندي بالاستقراء أنه مَا مِنْ آيةٍ إلا وهي مُحْكَمَةٌ في بعض الجزئيات، كما مرَّ تقريره في الصيام‏.‏ لا أريد به بقاء ترجمته بعينها في الحكم، بل أُرِيدُ به بقاء جنس الحكم في جزئي من الجزئيات‏.‏ فلا أَعْرِفُ آيةً من الآياتِ المنسوخةِ التي لا يكون لها نفعٌ أصلا، ولا أقل من أنها تبقى تِذْكَارًا لذلك الجنس‏.‏ ثم إنهم ذَكَرُوا معنى الموالي نحو عشرين، وليس بشيءٍ، فإن معناه‏:‏ القدر المُشْتَرَك بينها، فلمَّا لم يُدْرِكُوه، جعلوا كلا منها معنىً على حدة‏.‏ وراجع سياقه من باب الفرائض، فإنه أوضح‏.‏

كتاب‏:‏ الوَكَالَة

باب‏:‏ في وَكالَةِ الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ في القِسْمَةِ وَغَيرِهَا

2300- قوله‏:‏ ‏(‏ضَحِّ بِهِ أَنْتَ‏)‏ وفي روايةٍ‏:‏ «ليس لأحدٍ بعدك»، فإن قُلْتَ‏:‏ وقد وَرَدَ نحوَه لصحابيَ آخرَ أيضًا‏.‏ وظاهُره مُتَنَاقِضٌ، فإنه إذا قال للأول‏:‏ ليس لأحد غيرك، وَجَبَ أن لا يكون هناك أحدٌ غيره يجوز له ذبح ذلك السن، مع أنه قد أَجَازَ له أيضًا‏.‏

قلتُ‏:‏ والجوابُ ظاهرٌ، فإنه إذا قال للأول، لم يكن الثاني مَخْطُورًا بالبال‏.‏ وإذا قال للثاني ههنا، كأن الأولَ لم يَكُنْ مخطورًا بالبال، وتلك اعتباراتٌ يَعْرِفُها اللبيبُ‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَكَّلَ المُسْلِمُ حَرْبِيًّا في دَارِ الحَرْبِ أَوْ في دَارِ الإِسْلامِ جاز

باب‏:‏ الوَكالَةِ في الصَّرْفِ وَالمِيزَان

يعني أن اتحادَ المِلَّةِ ليس بشرطٍ في الوَكَالَةِ، وليس فيه إلا وكالةٌ لغويةٌ‏.‏

2301- قوله‏:‏ ‏(‏صَاغِيَتِي‏)‏ أي أولادي‏.‏

2301- قوله‏:‏ ‏(‏عَبْدُ عَمْرو‏)‏، قال مولانا الجَنْجُوهِي‏:‏ إن إضافةَ العبد إذا كان إلى غير الله، فلا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ ذلك الغير مَعْبُودًا من دون الله أو لا، وعلى الثاني‏:‏ إمَّا أن يكون موهمًا لها، أو لا‏.‏ فالأولُ حرامٌ، والثاني إن كان مُوهمًا كُرِهَ، كعبد النبيِّ، وإلا لا‏.‏

فعبد العُزَّى حَرَامٌ، وعبدُ النبيِّ مكروهٌ، وعبدُ المطَّلِب جائزٌ‏.‏ وإنما سُمِّيَ به، لأن المطَّلبَ عمَّه كان جاء بابن أخيه يَحْمِلُهُ على ظهره، فقال له الناس‏:‏ أن مُطَّلِبًا جاء بعبدٍ، فَسُمِّيَ عبد المطَّلِب‏.‏ وأمَّا التسميةُ بعبد مَنَاف، فأيضًا حرامٌ، لأن المَنَاف كان صنمًا في الجاهلية، كما في «القاموس»‏.‏ وقد مرَّ‏:‏ أن الأمرَ في نحو عبد النبيِّ يَدُورُ بالمغالطة، فإن خاف المغالطةُ مُنِعَ، وإلا لا‏.‏ فهو كقولهم‏:‏ ‏{‏رعِنَا‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 104‏)‏ في القرآن، وقد مرَّ تفصيله‏.‏

باب‏:‏ إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِي أَو الوَكِيلُ شَاةً تَمُوتُ، أَوْ شَيئْا يَفسُدُ،ذَبَحَ وَأَصْلَحَ ما يَخَافُ عَلَيهِ الفَسَاد

يعني إذا رأى الراعي شاةً تموت، ولم يكن المالك حَاضِرًا، ولا وَجَدَ فرصةً للإِجازة منه، هل له أن يَذْبَحَ‏؟‏ وفي «جامع الفصولين»، وهو من معتبرات فقهنا‏:‏ إن ذَبَحَ الشاة يَضْمَنُ، وفي قولٍ‏:‏ لا يَضْمَنُ‏.‏ قلتُ‏:‏ بل يُقْسِمُ على الحالات، فإن تحقَّق أنه ذَبَحَها بعذرٍ صحيحٍ لم يَضْمَن، وإن ثَبَتَ أنه جعله حِيلَةً، وأراد اللحمَ فقط ضَمِنَ‏.‏

مسألة‏:‏ في «البحر»‏:‏ أن رجلا لو رَأَى أحدًا يَزْنِي بامرأته يَقْتُلُهُ، فإن بَلَغَ الأمرُ إلى القاضي، ولم يُثْبِتْ زِنَاه بالشهادة يَقْتَصُّ منه‏.‏ ورأيتُ في «كنز العمال» حديثًا‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال‏:‏ «كَفَى بالسيف شا‏.‏‏.‏‏.‏»، قال الراوي‏:‏ واكتفى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بالشا، ولم يتلفظ بتمام اللفظ- أي شاهدًا- وقال‏:‏ لو قلت‏:‏ شاهدًا لتظالم السكران، والغيران، فهذا أَمْرٌ يَعْرِضُ للأنبياء عليهم السلام، فإنه أَبَاحَ له قتلَ رجلٍ يَرَاه على امرأته، ثم لم يُفْصِحْ به، لئلا يَتَجَاوَزَ فيه الناس عن الحدِّ‏.‏

2304- قوله‏:‏ ‏(‏قال عُبَيْدُ الله‏:‏ فَيُعْجِبُني أَنَّها أَمَةٌ، وأنها ذَبَحَتْ‏)‏، والراوي يتعجَّبُ منه، وفي الفِقْهِ‏:‏ أنه لا بأسَ بِذَبِيحَةِ المرأة‏.‏

باب‏:‏ وَكالَةُ الشَّاهِدِ وَالغَائِبِ جائِزَة

باب‏:‏ الوَكالَةِ في قَضَاءِ الدُّيُون

أي الوَكَالَةُ صحيحةٌ، سواء كان الوكيلُ شَاهِدًا أو غَائِبًا‏.‏

2305- قوله‏:‏ ‏(‏فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فلم يَجِدُوا له إلا سِنًّا فَوْقَهَا، فقال‏:‏ أَعْطُوه‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، واعلم أن استقراضَ الحيوانِ بالحيوانِ جائزٌ عند الشافعية‏.‏ وأَنْكَرَهُ الحنفيةُ، وقالوا‏:‏ إن الاستقراضَ لا يَصِحُّ إلا في المِثْلِيَّات، فلا تكون ثابتةً في الذمة، ويَجِبُ كونها مشارًا إليه عند العقد، فلا تَصْلُحُ لوجوبها في الذمة‏.‏ وأَجَابُوا عن حديث الباب‏:‏ أنه لم يكن فيه استقراضٌ، بل كان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم اشترى منه بثمنٍ مُؤَجَّلٍ، فلمَّا حَلَّ الأجلُ، وأراد أن يُؤَدِّيَ إليه ثمنه، اشترى له بعيرًا آخر من ثمنه، وردَّه إليه‏.‏ فعادت صورتُه صورةَ استقراضِ الحيوانِ بالحيوانِ، فهو استقراضٌ صورةً، وبيعٌ مُؤَجَّلٌ معنىً‏.‏ ولمَّا لم يَكُنْ في الحِسِّ إلا مُبَادلة البعير بالبعير، حَذَفَ الراوي البيعَ المتوسِّطَ، وعبَّر عنه بما كان عنده في الحِسِّ‏.‏

وذلك من ديدن الرواة، أنهم لا يُرَاعُون تخاريجَ الفقهاء، وأنظارَ العلماء، وإنما هم بصدد نقل القصة على ما وقعت في الخارج، ولا يكون لهم عن أبحاثهم غرضٌ‏.‏ وهو مَلْحَظُهم في صلاة الكسوف‏:‏ أنها كانت للنبيِّ صلى الله عليه وسلّم أربعًا، وللقوم ركعتين ركعتين‏.‏ وقد مرَّ جوابُهُ في العَرَايا‏.‏

وإنما حَمَلْنَاهُ على هذا التأويل، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم «نهى عن بيع الحيوانِ بالحيوانِ نَسِيئَةً‏.‏ وهذا وإن كان في البيع، لكن الاستقراضَ مثلُه لا تحاد العِلَّةِ‏.‏ فإن في الاستقراض أيضًا وجوبًا في الذِّمَّةِ، كما في البيع نسيئةً‏.‏ وأقولُ من عند نفسي‏:‏ إن الحيواناتِ، وإن لم تَثْبُتْ في الذِّمَّةِ في القضاء، لكنه يَصِحُّ الاستقراضُ به فيما بينهم عند عدم المُنَازَعَةِ، والمناقشة‏.‏

وهذا الذي قلتُ‏:‏ إن الناسَ يتعاملون في أشياءَ تكون جائزةً فيما بينهم على طريق المروءة والإِغماض، فإذا رُفِعَتْ إلى القضاء يُحْكَمُ عليها بعدم الجواز‏.‏ فالاستقراضُ المذكورُ عند عدم المُنَازَعَةِ جائزٌ عندي‏.‏ وذلك لأن العقودَ على نحوين‏:‏ نحوٍ يكونُ معصيةً في نفسه، وذا لا يَجُوزُ مطلقًا‏.‏ ونحوٍ آخرَ لا يكون معصيةً، وإنما يُحْكَمُ عليه بعدم الجواز لإِفضائه إلى المُنَازَعَةِ، فإذا لم تَقَعْ فيه منازعةٌ جَازَ‏.‏ واستقراضُ البعير من النحو الثاني، لأنه ليس بمعصيةٍ في نفسه‏.‏ وإنما يُنْهَى عنه، لأن ذواتَ القيم لا تتعيَّنُ إلا بالتعيين، والتعيينُ فيها لا يَحْصُلُ إلا بالإبشارة، فلا تَصْلُحُ للوجوب في الذمة‏.‏ فإذا لم تتعيَّن، أفضى إلى المنازعة عند القضاء لا مَحَالَةَ‏.‏ فإذا كان النهيُ فيه لعِلَّةِ المنازعةِ، جاز عند انتفاء العِلَّة‏.‏

والحاصلُ أن كثيرًا من التصرُّفات لا تكونُ جائزةً في القضاء، وتَجُوزُ فيما بينهم‏.‏ ثم هذا فيما لم يَرِدْ فيه نصٌّ من الشارع بالنهي عنه صراحةً، وكذا لم يَحْكُمْ به قياسٌ جَلِيٌّ، وإلا فلا سبيلَ فيه إلى الجواز بحالٍ‏.‏ وقد تبيَّن مما قلنا‏:‏ أن عِلَّةَ النهي فيما نحن فيه هي المُنَازَعَةُ، ولا نصَّ فيه عن الشارع، فإذا انتفت العِلَّةُ عاد إلى الجواز‏.‏ ويُؤَيِّدُ ما قُلْنَا‏:‏ إن الحنفيةَ صرَّحُوا في الإِجازةِ الفاسدةِ، والمُضَارَبَةِ الفاسدةِ‏:‏ أن الأُجْرَةَ فيهما طيبةٌ مع فساد العقد، فَدَلَّ على أنه لا يَلْزَمَ من كون الشيءِ باطلا، أو فاسدًا كونه معصيةً أيضًا‏.‏ فإِذا لم يكن معصيةً في نفسه، يُحْكَمُ عليه بالجواز‏.‏ وإذن لا بأسَ لو حَكَمْنَا بالجواز في الصورةِ المذكورة‏.‏ نعم لو وقعت فيه المُنَازَعَةُ ورُفِعَ الأمرُ إلى القاضي، فالحكمُ فيه كما في المتون، وهو عدمُ الجواز‏.‏

ومن ههنا تبيَّن أن من زَعَمَ بين كون الشيء باطلا، ومعصيةً تلازمًا، فقد حَادَ عن الصواب‏.‏ وهناك مسألةٌ أخرى تُؤَيِّدُ ما قُلْنَا، ففي «الهداية»‏:‏ إن بيعَ الخشب في السقف فاسدٌ، فإِن سلَّمه إلى المشتري عاد إلى الجواز‏.‏ وكذا البيعُ إلى النَّيْرُوز والمِهْرَجَان لا يَجُوزُ، فإِن نقد الثمن جاز‏.‏ وذلك لأن عِلَّةَ الفساد في الصورة الأولى‏:‏ كون المبيعِ غيرَ مَقْدُورِ التسليمِ، وفي الثانية‏:‏ جهالةُ الأجل‏.‏ فإذا انتفت بالتسليم ونقد الثمن، انتفى الفساد لانتفاء عِلَّتِهِ لا مَحَالَةَ‏.‏ فهذا أصلٌ عظيمٌ ينبغي أن تَحْفَظَه، يَنْفَعُكَ في مواضع‏.‏

ثم إذا بَطَلَ العقدُ في شيءٍ، وتَدَاوَلَتْهُ الأيدي، وترتَّب عليه الأخذُ والإِعطاءُ، ماذا يكون حاله‏؟‏ فاختلف فيه العلماء‏:‏ فذهب عامتُهم إلى أن كلَّ ما ترتَّب عليه العقدُ الباطلُ، فهو باطلٌ لبطلان الأصل‏.‏ وقال الحَلَوَانيُّ‏:‏ إن الأولَ، وإن كان باطلا في نفسه، لكنه إذا تَدَاوَلَتْهُ الأيدي انقلب صحيحًا من جهة هذا التعاطي‏.‏ فإِن الناسَ يَتَغَافَلُونَ ويُغْمِضُون فيه بعد التعاطي، ولا يُنَازِعُون فيه‏.‏

قلتُ‏:‏ وهذا أيضًا من باب المروءة، والحَلَوَانيُّ، وإن كان متفرِّدًا فيه، لكني أُفْتِي بقوله أيضًا‏.‏ فإنَّ الناس إن يعملوا بقول واحد خيرٌ لهم من أن لا يعملوا بقول أحد، فلذا أفتي بقول الحَلَوَانيِّ تصحيحًا لعملهم، وإخراجه عن عدم الجواز‏.‏

وبالجملة‏:‏ إن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أعطاه سِنًّا أحسن من سِنِّه، إذ لم تَقَعْ فيه منازعةٌ، ولو وقعت فيه لأدَّاه قيمته على ما هو السنَّة في ذوات القِيَمِ، فاحفظه‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَهَبَ شَيئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شفَيعِ قَوْمٍ جاز

ويجُوزُ في إعراب الوكيل أوجهٌ إمَّا التنوينُ، أو الإِضافةُ على حدِّ قولهم‏:‏

يَا مَنْ رأى عَارِضًا أَسَرَّ به *** ذِرَاعي وجَبْهَةَ الأَسَدِ

أصله ذراعين سقطت النون للإِضافة‏.‏ أو يكون من باب

فعلى الأول، الوكيلُ أيضًا مضافٌ إلى قومٍ‏.‏ وعلى الثاني، المضافُ إليه محذوفٌ من المعطوف عليه، يعني به أن الوكيلَ واحدٌ، وإن كان الموهوبُ له جماعةً، فذا جائزٌ‏.‏ قلتُ‏:‏ إن كان غرضُ المصنِّف منه إثباتَ جواز هبة المُشَاع، ففيه نظرٌ، لأنه احتجَّ بردِّ سبي هَوَازن، وحمله على كونه هبةً، وذلك غيرُ معلومٍ، لأن النظرَ فيه دائرٌ يُمْكِنُ أن يكونَ إعتاقًا، أو ردًّا، أو هِبَةً‏.‏ فما لم ينفصل الأمرُ فيه، لا يَصِحُّ الاحتجاج به‏.‏ وفصلُها من ألفاظ الرواة ظلمٌ، فإن هذه أنظارٌ وتخاريجُ‏.‏ وقد صرَّحُوا أن الرواةَ قد كانوا لا يعلمون الفِقْهَ، فربَّما يَحْمِلُون الروايات على التناقُض، فيجرَّحُون، مع أن التناُقضَ كان يَحْدُث من جهة عدم تفقُّههم‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلا أَنْ يُعْطِيَ شَيئًا وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِيفَأَعْطَى عَلَى ما يَتَعَارَفُهُ النَّاس

يعني أنه إذا وَكَّلَ وكيلا بالإِعطاء، ولم يعيِّن مقدارَه، فَعَمِلَ فيه برأيه، هل يجوز أم لا‏؟‏ وأمثال ذلك عندي محمولةٌ على باب المروءة‏.‏ فالأمرُ فيه عند عدم التنازُع على ما تعَارَفَهُ الناسُ‏.‏ فما في الفقه‏:‏ أن رجلا لو أسْلَم بنت مَخَاض إلى رجلٍ ليربِّيها على أن يكونَ له نِصْفُهَا، ففعل، تكون بنت المَخَاض للمُعْطِي بتمامها، ويَجِبُ عليه أجرةُ المِثْلِ للمربِّي، محمولٌ على ما وَقَعَ فيه التنازُعُ، ورُفِعَ الأمرُ إلى القاضي‏.‏ أمَّا إذا اصطلحا، ولم يَتَنَازَعَا، فهمَا على معاملتهما‏.‏

2309- قوله‏:‏ ‏(‏عن عَطَاءِ بن أبي رَبَاحٍ وغَيْرِهِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ، ولَمْ يُبَلِّغْهُ كُلُّهُم، رَجُلٌ وَاحِدٌ منهم، عن جابر‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، قال الشَّارِحُون‏:‏ فيه تقدير حرف‏:‏ «بل» أي لم يُبَلِّغْهُ كلَّهم- بل- رَجُلٌ واحدٌ منهم‏.‏ قلتُ‏:‏ وتقدير حرف العطف لا يوجد في كُتُبِ النحو أصلا‏.‏ فطريقُه أن يُوقَفَ على كلِّهم، ثم يُبْدَأَ من رجلٍ واحدٍ، فَيُفْهَمُ منه معنى بل‏.‏ فهو مقدَّرٌ بهذا الطريق، أي لا نفهام معناه من الوقف‏.‏

2309- قوله‏:‏ ‏(‏ولك ظَهْرُهُ إلى المَدِينَةِ‏)‏، وهذا الذي أقولُ‏:‏ إن الظَّهْرَ في ليلة البعير لم تكن على طريق الاشتراط، بل كان عارِيَّةَ له من النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وقد تمسَّك به البخاريُّ على جواز الاشتراط في البيع، لِمَا في بعض ألفاظه ما يُومِيءُ إليه‏.‏ وإذا تبيَّنْتَ أنه كان عَاريَّةً لا شرطًا في صلب العقد، سَقَطَ الاحتجاج به‏.‏ وقد مرَّ منا مِرَارًا‏:‏ أن الراوي لا يُرَاعي في التعبير تخاريج المشايخ، وإنما يبني كلامَهُ على ما هو عنده في الحِسِّ والمشاهدة، وهو المُلْحَظُ عندنا في قوله‏:‏ «وَّجْتُكَهَا بما مَعَكَ من القرآن»، وسيجيء تقريره في موضعه‏.‏

2309- قوله‏:‏ ‏(‏إن أبي قد تُوُفِّيَ‏)‏، فيه إطلاقُ التَّوَفِّي على الشهادة، ولا حَرَجَ، لأنه إذا اسْتُعْمِلَ عديلا للقتل يُسْتَعْمَلُ بمعنىً آخرَ، وإذا اسْتُعْمِلَ وحده يكون بمعنىً آخرَ‏.‏ ولك أن تقولَ‏:‏ إن المُكَنَّى به، والمُكَنَّى عنه يجتمعان في الكناية مِصْدَاقًا، لا مدلولا، فيكون مدلولاهما مجامعًا في الصدق، بخلاف المجاز، فإنه لا يكون فيه إلا معنىً واحدٌ‏.‏ كما إذا أردت المطر من لفظ السماء، لا يتحقَّق فيه إلا معنى المطر‏.‏ وإذا قلتَ‏:‏ رأيتُ رجلا طويلَ النِّجَاد، على طريق الكناية، يتحقَّق فيه المُكَنَّى به، وهو طول النجاد، والمُكَنَّى عنه، أي طول القامة كلاهما، وإن اختلفا في مدلول لفظيهما‏.‏ وإنما ذَكَرْنَا لك الفرق بين المجاز والكناية في عدَّة مواضع مع شيء من الإِيضاح في كل موضعٍ لتُحِيطَ به علمًا، فإن الفرقَ قد أَعْوَزَ على الفحول، ولم يتنقَّح عندهم بعد‏.‏

2309- قوله‏:‏ ‏(‏وزَادَهُ قِيرَاطًا‏)‏، وفيه تصريحٌ أنه قد أعطى الثمن على حِدَة، والزيادة على حِدَة، ثم إنه ليس المراد من القِيرَاط سِكَّةً مخصوصةً، بل قدرَها من الوَرِق، فلا شيوعَ فيها‏.‏

باب‏:‏ وَكالَةِ الامْرَأَةِ الإِمامَ في النِّكاح

2310- قوله‏:‏ ‏(‏إني قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، قلتُ‏:‏ وأين فيه توكيلُ المرأة‏.‏ والدلالةُ فيه لا تكفي، فلا يُقَالُ‏:‏ إنه وإن لم يتحقَّق حقيقةً، لكنه متحقِّقٌ حكمًا، لأنه لا بُدَّ للتوكيل إمَّا من لفظه، أو تحقُّقه بولايةٍ شرعيةٍ‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَكَّلَ رَجُلا، فَتَرَكَ الوَكِيلُ شَيئًا فَأَجازَهُ المُوَكِّلُ فَهُوَ جائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جاز

باب‏:‏ إِذَا بَاعَ الوَكِيلُ شَيئًا فاسِدًا، فَبَيعُهُ مَرْدُود

يعني به الإِجازةَ اللاحقةَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإن أَقْرَضَهُ إلى أجلٍ مُسَمّىً جَازَ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وقد مرَّ‏:‏ أن الأجل لا يَلْزَمُ في القرض‏.‏

2311- قوله‏:‏ ‏(‏ذَاكَ شَيْطَانٌ‏)‏، والشيطانُ يُطْلَقُ على الجِنِّ أيضًا، كما يُعْلَمُ من القرآن، وفي بعض الروايات‏:‏ «أنه كان ذا شعرٍ كثيرٍ، فأخذه أبو هُرَيْرَة، وسأله عمَّن هو‏؟‏ فقال‏:‏ أنا جِنِّيٌّ»‏.‏ وراجع له «آكام المرجان في أحكام الجان»، وكان هذا الجنيُّ من جنِّ نَصِيبين، كما في بعض الروايات‏.‏ ثم إن هذا المالَ كان صدقةَ الفِطْرِ، فهل تَسْقُطُ الصدقةُ بأخذ الجنِّ‏؟‏‏.‏

قلتُ‏:‏ ولمَّا كانت هذه الواقعةُ في عهد النبوَّة على طريق خَرْقِ العادة، فلا ينبغي أن تُبْنَى عليها المسائل، مع أن أبا هريرة لم يَطَّلِعْ عليه إلا بعد ما أخبره النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أنه جِنٌّ‏.‏ وقد أَخْفَاهُ هو أيضًا إلى يومين، حتَّى ظنَّه أبو هريرة ذا حاجةٍ من الناس، مَصْرِفًا للصدقة، فكان يُغْمِضُ عنه على علمٍ منه أنه فقيرٌ، أو مسكينٌ‏.‏ وحينئذٍ فقصرها على موردها أَوْلَى‏.‏

نصِبِين‏:‏ وهي عند حرَّان، والموصل في شرق الشام، معدن السِّحْر‏.‏ ومن ههنا تعلَّم الفارابي الفلسفة‏.‏ وأظنُّ أنه تكون فيها جماعةٌ من الجِنِّ، وقد ذكر هذا الجِنُّ‏:‏ أن الناسَ كانوا يَضْرِبُون لنا سهمًا أيضًا، وقد تَرَكُوا ذلك منذ بُعِثَ هذا الرجلُ- يريد به النبيَّ صلى الله عليه وسلّم- فإِذن ليس لنا من السرقة بُدٌ‏.‏

باب‏:‏ الوَكالَةِ في الوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ، وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالمَعْرُوف

أراد المصنِّفُ من الوكيل‏:‏ ناظره ومتوليه‏.‏

2313- قوله‏:‏ ‏(‏وكان ابن عمر‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، يجوز التصدُّق على الأصدقاء من مال الواقف، عند إذن الواقف‏.‏ ثم إن المسألةَ في قَبُول المتولِّي هدايا الناس‏:‏ أنه إن ظَنَّها رِشْوةً لم تَجُزْ، وإلا جازت‏.‏ فلا إشكالَ في قَبُول ابن عمر هدايا أهل مكة، مع كونه متولِّيًا للوقف‏.‏

باب‏:‏ الوَكالَةِ في الحُدُود

باب‏:‏ الوَكالَةِ في البُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا

باب‏:‏ إِذَا قالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِه‏:‏ ضَعْهُ حَيثُ أَرَاكَ اللَّهُ وَقالَ الوَكِيلُ‏:‏قَدْ سَمِعْتُ ما قُلت

باب‏:‏ وَكالَةِ الأَمِينِ في الخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا

2314، 2315- قوله‏:‏ ‏(‏أغْدُ يا أُنَيْسُ‏)‏، ولمَّا تضمَّن قوله قذفًا للمرأة، وهو حقُّ العبد، أمره النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أن يَغْدُوَ إليها، ويَسْأَلُ عنه‏.‏ وإلا فالحدود معناها على الستر دون التجسُّسِ، والتَّسَاؤل، والله تعالى أعلم‏.‏

كتاب‏:‏ الحَرْثِ والمُزَارَعَة

باب‏:‏ فَضْلِ الزَّرْعِ وَالغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْه

باب‏:‏ ما يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِه

واعلم أن الحَرْثَ والمُزَارَعَةَ مِلاك العالم، لا يتمُّ نظامُهُ إلا به، ومع ذلك تَرِدُ الأحاديث في كراهته، فيتحيَّر منه الناظر‏.‏ وما ذَكَرْنَاه في الحِجَامَةِ لا يَنْفَعُ ههنا، فإن الحجَّامَ الواحدَ يكفي لجماعاتٍ، بخلاف الحَرْثِ‏.‏ وأُجِيبَ أن الأهمَّ في عهده صلى الله عليه وسلّم كان الجهادَ، والاشتغالُ بالحَرْثِ يُوجِبُ الاشتغال عنه، فذمَّه لهذا‏.‏ ثم إن مخالب السلطنة تَنْشَبُ بالمزارع، أكثر ممَّا تَنْشَبُ بالتاجر‏.‏ وكذا المُزَارعُ يُحْرَمُ من الخير كثيرًا، فلا يَجِدُ فرصةً لاستماع الوَعْظِ، وصُحْبَةِ الصُّلَحَاء‏.‏

والحاصلُ‏:‏ أن الشيءَ إذا دار بين خيرٍ وشرَ، لا يُحْكَمُ عليه بالخيرية مُطْلَقًا، أو الكراهةِ كذلك‏.‏ ولِتَجَاذُب الأطراف، فَتَرِدُ الأحاديثُ فيه بالنحوين لذلك، فافهم‏.‏

2321- قوله‏:‏ ‏(‏رَأَى سِكَّةَ‏)‏‏.‏ ‏(‏هال‏)‏‏.‏

باب‏:‏ اقْتِنَاءِ الكَلبِ لِلحَرْث

ولا يَنْقُصُ هذا القيراطُ إذا اقْتَنَاهُ، فيما أَذِنَه الشارعُ كالحَرْثِ أو الماشية‏.‏ أمَّا الملائكةُ، فلعلَّهم لا يَدْخُلُون بيتَهُ بعده أيضًا، كما مرَّ، والله تعالى أعلم‏.‏

باب‏:‏ اسْتِعْمَالِ البَقَرِ لِلحِرَاثَة

باب‏:‏ إِذَا قالَ‏:‏ اكْفِنِي مَؤُونَةَ النَّخْلِ أَوْ غَيرِهِ، وَتُشْرِكُنِي في الثَّمَر

باب‏:‏ قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْل

وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَني لُؤَيَ *** حَرِيقٌ بِالبُوَيرَةِ مُسْتَطِيرُ

2324- قوله‏:‏ ‏(‏آمَنْتُ‏)‏، إنما قاله حين تعجَّب الناسُ، وقالوا‏:‏ سُبْحَانَ الله‏.‏

2324- قوله‏:‏ ‏(‏يَوْمَ السَّبُعِ‏)‏، وذلك في إبَّان الساعة، حين تَخْرَبُ البلاد، ويَهْلِكُ الناس، فَتَسْكُنُ فيها الذئاب‏.‏ قال العلماءُ‏:‏ إن البقرَ يُسْتَعْمَلُ بِمَنْكِبِهِ، والفرسَ بظهره‏.‏ وحينئذٍ لا يُنَاسِبُ العربة، لأنه يُوجِبُ استعمال مَنْكِب الفرس، ولم يُخْلَقْ له، وإنما خُلِقَ للركوب على ظهره‏.‏